سعيد عطية علي مطاوع
179
الاعجاز القصصي في القرآن
ومنه قوله تعالى في قصة نوح : " فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً " ( العنكبوت : 14 ) فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع ، ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه . وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة ، ليكون أول ما يباشر السمع ذكر " الألف " واختصار اللفظ ، فإن لفظ القرآن أخصر من تسعمائة وخمسين عاما ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه ولا النقص . . 6 - الاحتراس : وهو أن يكون الكلام محتملا لشيء بعيد فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال مثل قوله تعالى على لسان النملة في قصة سليمان : " لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " ( النمل : 18 ) . فقوله : " وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " احتراس بيّن أن من عدل سليمان وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بأن يشعرون بها . وقد قيل : إنما كان تبسّم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها ، ولذلك أكد التبسّم بالضحك ، لأنهم يقولون : تبسّم كتبسّم الغضبان ، لينبّه على أن تبسّمه تبسّم سرور . . . وكذا قوله تعالى في قصة الطوفان : " وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " ( سورة هود : 44 ) فإن سبحانه ما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان ، عقبهم بالدعاء عليهم ، ووصفهم بالظلم ، ليعلم أن جميعهم كان مستحقا للعذاب ، احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب ، فلما دعا علي الهالكين ، ووصفهم بالظلم علي استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم ، مع قوله أولا : " وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ " ( سورة هود : 37 ) . وأعجب احتراس وقع في القصص القرآني قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه الصلاة والسلام : " وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ " ( القصص : 44 ) . . . وقال عن موسى : " وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ " ( سورة مريم : 52 ) ، فلما نفي سبحانه عن رسوله أن يكون بالمكان الذي قضي لموسى فيه الأمر عرّف المكان